الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
35
مختصر الامثل
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 ) فيما سبق من آيات كتاب اللَّه سبحانه تبيّن ثلاث مجموعات هي : مجموعة المتّقين ، ومجموعة الكافرين ، ومجموعة المنافقين . أمّا الآيات المذكورة فدعت الناس إلى انتخاب طريق المجموعة الأولى ، وإلى عبادة اللَّه الواحد الأحد . يقول اللَّه تعالى : « يَا أيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . 1 - قوله تعالى : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ » تكرر في القرآن عشرين مرّة تقريباً ، وهو نداء عام شامل يشير إلى أنّ القرآن لا يختص بعنصر أو قبيلة أو طائفة أو فئة خاصة ، بل يوجّه دعوته إلى البشرية عامة لعبادة اللَّه ، وللثورة على كل ألوان الشرك والانحراف عن طريق التوحيد . 2 - يركّز القرآن ، في دعوته إلى عبادة اللَّه وإلى شكر اللَّه ، على نعمة خلق البشر ، وهى نعمة تتجلى فيها قدرة اللَّه كما يتجلى فيها علم اللَّه وحكمته . 3 - نتيجة هذه العبادة هي التقوى : « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » فعباداتنا لا تزيد اللَّه عظمة وجلالًا ، كما أنّ إعراضنا عن العبادة لا ينقص من عظمة اللَّه شيئاً ، هذه العبادات مدرسة لتعليم التقوى . 4 - عبارة « الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ » لعلّها ردّ على استدلال المشركين الذين برروا عبادتهم للأصنام بتمسكهم بسنة آبائهم والآية الكريمة تشير بهذه العبارة إلى أنّ اللَّه الواحد الأحد ، خالق البشر وخالق آبائهم ، وكل شرك يعتري المسيرة البشرية في حاضرها وسالفها هو انحراف عن الخط الصحيح . نِعَم الأرض والسماء : الآية التالية استعرضت قسماً آخر من النعم الإلهيّة التي تستحق الشكر ، ذكرت أوّلًا خلق الأرض : « الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا » . إنّ تعبير « فراش » يصوّر بشكل رائع مفهوم الاستقرار والاستراحة . في تفسير نور الثقلين هذه الحقيقة يعبّر عنها الإمام علىّ بن الحسين عليه السلام مفسراً هذه